Archive for the ‘غزوات في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم-’ Category

h1

غزوة تبوك

2011-04-20

ـ  سبب غزوة تبوك:
أن هرقل جمع جموعًا من الروم، وقبائل العرب الموالية لها، فعلم بهم الرسول صلى الله عليه وسلم فخرج إليهم.
وقيل: أخذ الثأر لجعفر بن أبي طالب.

ـ متى وقعت هذه الغزوة؟
قال ابن حجر: (كانت في شهر رجب من سنة تسع قبل حجة الوداع بلا خلاف). فتح الباري (16/237)

ـ كم كان عدد جيش المسلمين؟
30ألف مقاتل.

ـ لماذا سميت هذه الغزوة بغزوة العسرة؟
لما فيها من العسر الشديد في المال والزاد والركائب.
شدة في الحر، وجدب في البلاد، وحين طابت الثمار والناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم.

ـ حث النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة على الإنفاق في هذه الغزوة لبعدها وكثرة المشركين فيها، فمن هو أكثر المنفقين فيها؟
هو عثمان بن عفان.
قال صلى الله عليه وسلم: (من جهز جيش العسرة فله الجنة) فجهزه عثمان.
وقال لمحاصريه أيام الدار: (ألسـتم تعلمون أنه قال: من جهز جيش العسـرة فله الجنة؟ فجهزته، فصدقوه بما قال). صحيح البخاري (2778)
وبلغت هذه المشاركة من عثمان ألف دينار، وعند ما نثرها في حجر النبي صلى الله عليه وسلم أخذ يقلبها ويقول: ما ضرّ ابن عثمان ما عمل بعد اليوم). سنن الترمذي (3967)

ـ من هم البكاءون؟
هم الذين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يطلبون منه ما يخرجون عليه معه في هذه الغزوة، فلم يجد ما يحملهم عليه، فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنًا ألا يجدوا ما ينفقون.

ـ ماذا قال المنافقون عند ما بدأ الرسول صلى الله عليه وسلم يتجهز لغزوة تبوك؟
أخذوا يثبطون همم الناس وقالوا: لا تنفروا في الحر.
فأنزل الله فيهم: {وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرًا لو كانوا يفقهون}.

ـ من هو الرجل الذي قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هل لك يا فلان بجلاد بن الأصفر)؟
هو الجد بن قيس.

ـ ماذا قال هذا الرجل للرسول؟
اعتذر وقال: لا تفتني، فوالله لقد عرف قومي أنه ما به رجل بأشد عجبًا بالنساء مني، وإني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر أن لا أصبر، فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ـ من تخلف عن هذه الغزوة؟
تخلف عنها كثير من الأعراب والمنافقين، وعدد قليل من الصحابة من أهل الأعذار، وثلاثة ممن لم يكن لهم عذر [وسيأتي ذكرهم].

ـ من الذي خلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهله؟
Read the rest of this entry ?

h1

غزوة مؤتة

2011-04-19

ـ متى كانت غزوة مؤتة؟
في سنة (8) ﻫ في جمادى الأولى.

ـ ما سبب هذه الغزوة؟
كان سببها أن رسـول الله صلى الله عليه وسلم بعث الحارث بن عمير الأزدي أحد بني لهب بكتابه إلى الشام إلى ملك الروم وبصرى، فعرض له شرحبيل بن عمرو الغساني فقتله، ولم يُقتل لرسول الله صلى الله عليه وسلم رسول غيره، فاشتد ذلك فبعث البعوث. زاد المعاد (3/336)

ـ كم كان عدد جيش المسلمين؟
ثلاثة آلاف مقاتل. زاد المعاد (3/336)

ـ من عين أميرًا على هذا الجيش؟
أمر عليه زيد بن حارثة، وقال: (إن قتل فجعفر، وإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة). صحيح البخاري (4261)

ـ كم عدد جيش العدو؟
مائتا ألف، مائة ألف من الروم، ومائة ألف من نصارى العرب والعجم.

ـ ماذا فعل المسلمون لما بلغهم كثرة العدو؟
أقاموا في معان ليلتين يتشاورون في أمرهم.

 من الذي شجع الجيش على القدوم؟

عبد الله بن رواحة، وقال: (يا قوم، والله إن التي تكرهون للتي خرجتم وتطلبون ـ الشهادة ـ وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، ولا نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين، إما ظهور وإما شهادة).

 ـ هل استشهد قواد المسلمين الثلاثة؟

نعم. فاستشهد زيد بن حارثة، فأخذ الراية جعفر بن أبي طالب فعقر فرسه الشقراء وقاتل بالراية فقطعت يمينه فأمسكها بشماله، فقطعت فاحتضن الراية حتى استشهد، فأخذ الراية عبد الله بن رواحة فتردد يسيرًا ثم تقدم، فقاتل حتى استشهد.

 ـ ماذا حدث بعد وفاة القواد الثلاثة؟

أخذ الراية ثابت بن أرقم ونادى في المسلمين أن يختاروا لهم قائدًا، فاختاروا خالد بن الوليد.

ـ ماذا فعل خالد بن الوليد لما أخذ الراية؟

دافع القوم، ثم انحاز بالمسلمين وانصرف الناس.

 ـ كم عدد الذين استشهد من المسلمين؟

(12) رجلاً [رغم ضراوة المعركة وكثرة أعداد جيش العدو].

وأما الأعداء فلم يعرف عن عدد قتلاهم غير أن وصف المعركة يدل على كثرتهم.

-من القائد الذي انقطعت في يده تسعة أسياف؟

خالد بن الوليد.

قال: (لقد انقطعت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف، فما بقي في يدي إلا صفيحة يمانية). صحيح البخاري (4265)

ـ من الذي وجد في جسده أكثر من سبعين إصابة؟

جعفر بن أبي طالب.

عن ابن عمر قال: (كنت فيهم في تلك الغزوة، فالتمسنا جعفر بن أبي طالب فوجدناه في القتلى، ووجدنا في جسده بضعًا وتسعين من طعنة ورمية). صحيح البخاري (4261)

 ـ من الذي أخبر الصحابة بخبر الجيش قبل أن يأتي الرسول بالخبر؟

من معجزاته: أنه صلى الله عليه وسلم أخبر الصحابة باستشهاد القادة وعيناه تذرفان الدمع قبل أن يأتيه الرسول بالخبر، وأخبرهم باستلام خالد بن الوليد للراية وبشرهم بالفتح.

عن أنس: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نعى زيدًا وجعفرًا وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبرهم، فقال: أخذ الراية زيد فأصيب، ثم جعفر فأصيب، ثم أخذ بن رواحة فأصيب ـوعيناه تذرفان ـ حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله، حتى فتح الله عليهم). صحيح البخاري (4262)

(نعى: أي أخبرهم بقتله). فتح الباري (7/512)

 ـ ما الدليل على حزن النبي صلى الله عليه وسلم لموت جعفر؟

عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: (لما جاءت وفاة جعفر عرفنا في وجه النبي صلى الله عليه وسلم الحزن). صحيح البخاري (1299)

 ـ اذكر بعض فضائل جعفر؟

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رأيت جعفرًا يطير في الجنة مع الملائكة). جامع الترمذي (3763)

عن عامر الشعبي قال: (كان ابن عمر إذا حيا ابن جعفرًا قال: السلام عليك يا ابن ذي الجناحين). صحيح البخاري (3709)

 ـ اذكر فضل ومكانة شهداء مؤتة؟

بين الرسول صلى الله عليه وسلم مكانتهم بقوله: (ما يسرهم أنهم عندنا). صحيح البخاري (2798)

قال الحافظ ابن حجر: (أي لما رأوا من فضل الشهادة). فتح الباري (7/513)

 ـ اذكر بعض الحكم والفوائد المستنبطة من غزوة مؤتة؟

§ فضيلة الأمراء الثلاثة زيد وجعفر وابن رواحة.

§ بيان حقيقة كشف عنها ابن رواحة، وهي أن المسلمين لا يقاتلون بعدد ولا قوة، وإنما يقاتلون بالدين.

§ آيات النبوة المحمدية تتجلى في إخبار النبي صلى الله عليه وسلم أهل المدينة بسير المعركة ووصفه لها كأنه يديرها ويشاهد سير القتال فيها.

§ بيان فضل خالد، وسبب تلقيبه بسيف الله

h1

غزوة الاحزاب

2011-04-19

تاريخ الغزوة:

وقعت هذه الغزوة في شوال سنة خمس كما قال ابن إسحاق ومن تابعه، وهو قول الجمهور، وقال الواقدي: إنها وقعت في يوم الثلاثاء الثامن من ذي القعدة في العام الخامس الهجري، وقال ابن سعد: إن الله استجاب لدعاء الرسول صلى الله عليه وسلم فهزم الأحزاب يوم أربعاء من شهر ذي القعدة سنة خمس من مهاجره. ونقل الزهري ومالك بن أنس وموسى بن عقبة أنها وقعت سنة أربع هجرية.

ويرى العلماء أن القائلين بأنها وقعت سنة أربع كانوا يعدون التاريخ من المحرم الذي وقع بعد الهجرة ويلغون الأشهر التي قبل ذلك إلى ربيع الأول، فتكون غزوة بدر عندهم في السنة الأولى، وأحد في الثانية والخندق في الرابعة، وهو مخالف لما عليه الجمهور من جعل التاريخ من المحرم سنة الهجرة. وجزم ابن جزم أنها وقعت سنة أربع لقول ابن عمر أن الرسول صلى الله عليه وسلم رده يوم أحد وهي في السنة الثالثة باتفاق وهو ابن أربع عشرة سنة. ولكن البيهقي وابن حجر وغيرهما فسروا ذلك بأن ابن عمر كان يوم أحد في بداية الرابعة عشرة ويوم الخندق في نهاية الخامسة عشرة وهو الموافق لقول جمهور العلماء.

سبب الغزوة:

لم تضع الحرب أوزارها بين مشركي مكة والمسلمين إلا بعد فتح مكة في العام الثامن الهجري، ولذا فمن البدهي أن تحاول قريش في كل مرة القضاء على قوة المسلمين التي ترى فيها تهديداً مستمراً لطرق قوافلها وخطراً على مكانتها بين العرب.

أرادت قريش في هذه المرة أن تحسم هذا الصراع مع المسلمين لصالحها، فحشدت له أكبر قوة ممكنة حيث لجأت إلى التحالف مع كل من له مصلحة في القضاء على المسلمين. ووجدوا أكبر ضالتهم في قريش، فقد التقت أهداف الفريقين، وهو القضاء على المسلمين.

كان أول ما فكر فيه زعماء بني النضير الذين خرجوا إلى خيبر أن يتصلوا بقريش والقبائل الأخرى للثأر لأنفسهم والطمع في العودة إلى ديارهم وأملاكهم في المدينة. فخرج وفد منهم إلى مكة ، منهم : سلام بن أبي الحقيق وحيي بن أخطب وكنانة بن أبي الحقيق النضريون ، وهوذة بن قيس وأبو عمار الوائليان ، في نفر من بني النضير ونفر من بني وائل ، فدعوا قريشاً إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ووعدهم بالقتال معهم ، حتى يستأصلوه ، وأفتوهم بأن دينهم خير من دين محمد صلى الله عليه وسلم ، وأنهم أولى بالحق منهم ، وفيهم أنزل الله تعالى : ( ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا ). ثم اتجهوا بعد هذا إلى قبيلة غطفان النجدية الكبرى وأغروها بالتحالف معهم ومع قريش على حرب المسلمين، على أن يكون لهم نصف ثمر خيبر، إذا اشتركت معهم في الحرب، وكان وافدهم إلى غطفان كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق، فأجابه عيينة بن حصن الفزاري إلى ذلك.

وكتب المشركون إلى حلفائهم من بني أسد، فأقبل إليهم طلحة بن خويلد فيمن أطاعه، وخرج أبو سفيان بقريش ومن اتبعه من قبائل العرب، فنزلوا بمر الظهران، فجاءهم من أجابهم من بني سليم مدداً لهم بقيادة سفيان بن عبد شمس والد أبي الأعور وبنو مرة بقيادة الحارث بن عوف وأشجع بقيادة مسعر بن رخيلة ، فصاروا في جمع عظيم ، فهم الذين سماهم الله تعالى الأحزاب ، وذكر ابن إسحاق أن عدتهم عشرة آلاف بينما كان المسلمون ثلاثة آلاف.

تحرك هذا الجيش العرموم من مر الظهران في طريقة إلى المدينة. فنزلت قريش ومن سار معها بمجتمع الأسيال من رومة، بين الجُرُف وغابة. ونزلت غطفان بذنب نقمي إلى جانب أحد، ونزل معهم بنوأسد.

فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أجمعوا له من الأمر ، استشار أصحابه ، وقد أشار عليه سلمان الفارسي بحفر الخندق في المنطقة الوحيدة المكشوفة أمام الغزاة ، أما الجهات الأخرى فكانت كالحصن تتشابك فيها الأبنية وأشجار النخيل وتحيطها الحرات التي يصعب على الإبل والمشاة التحرك فيها.

Read the rest of this entry ?

h1

غـزوة حنين

2011-04-18

إن فتح مكة جاء عقب ضربة خاطفة شَدَهَ لها العرب، وبوغتت القبائل المجاورة بالأمر الواقع، الذي لم يكن يمكن لها أن تدفعه، ولذلك لم تمتنع عن الاستسلام إلا بعض القبائل الشرسة القوية المتغطرسة، وفي مقدمتها بطون هوازن وثقيف، واجتمعت إليها نَصْرٌ وجُشَمٌ وسعد بن بكر وناس من بني هلال – وكلها من قيس عَيْلان – رأت هذه البطون من نفسها عزا وأنَفَةً أن تقابل هذا الانتصار بالخضوع، فاجتمعت إلى مالك ابن عوف النَّصْري، وقررت المسير إلى حـرب المسلمين‏.‏  

 

مسير العدو ونزولـه بأوطاس‏:

ولما أجمع القائد العام – مالك بن عوف – المسير إلى حرب المسلمين، ساق مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم، فسار حتى نزل بأوْطَاس – وهو واد في دار هَوَازِن بالقرب من حُنَيْن، لكن وادي أوطاس غير وادي حنين، وحنين واد إلى جنب ذي المجَاز، بينه وبين مكة بضعة عشر ميلاً من جهة عرفات(1)‏.

 

مُجَرِّب الحروب يُغَلِّط رأي القائد‏:

ولما نزل بأوطاس اجتمع إليه الناس، وفيهم دُرَيْدُ بن الصِّمَّةِ – وهو شيخ كبير، ليس فيه إلا رأيه ومعرفته بالحرب وكان شجاعاً مجرباً – قال دريد‏:‏ بأي واد أنتم‏؟‏ قالوا‏:‏ بأوطاس، قال‏:‏ نعم مَجَالُ الخيل، لا حَزْنٌ ضَرسٌ، ولا سَهْلٌ دَهِس، ما لي أسمع رُغَاء البعير، ونُهَاق الحمير، وبُكَاء الصبي، وثُغَاء الشاء‏؟‏ قالوا‏:‏ ساق مالك بن عوف مع الناس نساءهم وأموالهم وأبناءهم، فدعا مالكاً وسأله عما حمله على ذلك، فقال‏:‏ أردت أن أجعل خلف كل رجل أهله وماله ليقاتل عنهم، فقال‏:‏ راعي ضأن واللّه، وهل يرد المنهزم شيء‏؟‏ إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك فُضِحْتَ في أهلك ومالك، ثم سأل عن بعض البطون والرؤساء، ثم قال‏:‏ يا مالك، إنك لم تصنع بتقديم بَيْضَة هوازن إلى نحور الخيل شيئاً، ارفعهم إلى ممتنع بلادهم وعلياء قومهم، ثم الْقَ الصُّبَاة على متون الخيل، فإن كانت لك لحق بك من وراءك، وإن كانت عليك ألفاك ذلك وقد أحرزتَ أهلك ومالك‏.‏

ولكن مالكاً – القائد العام – رفض هذا الطلب قائلاً‏:‏ واللّه لا أفعل، إنك قد كبرت وكبر عقلك، واللّه لتطيعني هوازن أو لأتَّكِئَنَّ على هذا السيف حتى يخرج من ظهري، وكره أن يكون لدريد فيها ذكر أو رأي، فقالوا‏:‏ أطعناك‏.‏ فقال دريد‏:‏ هذا يوم لم أشهده ولم يَفُتْنِي‏:‏

 

يـا ليتنــي فيــــها جـــــَذَعْ

 

أخُـبُّ فيــــها وأضــــَعْ

أقــود وطْـــفَاءَ الزَّمَــــــع

 

كأنــها شـــاة صَــــدَعْ

 سلاح استكشاف العدو‏:

وجاءت إلى مالك عيون كان قد بعثهم للاستكشاف عن المسلمين، جاءت هذه العيون وقد تفرقت أوصالهم، قال‏:‏ ويلكم، ما شأنكم‏؟‏ قالوا‏:‏ رأينا رجالاً بيضا على خيل بُلْق، والله ما تماسكنا أن أصابنا ما ترى.

 

سلاح استكشاف رسول اللّه -صلى الله عليه وسلم-:‏

ونقلت الأخبار إلى رسول اللّه -صلى الله عليه وسلم- بمسير العدو، فبعث أبا حَدْرَد الأسلمي، وأمره أن يدخل في الناس، فيقيم فيهم حتى يعلم علمهم، ثم يأتيه بخبرهم، ففعل‏.

 

الرسول -صلى الله عليه وسلم- يغادر مكة إلىحنين:‏‏

وفي يوم السبت السادس من شهر شوال سنة 8 هـ غادر رسول اللّه -صلى الله عليه وسلم- مكة، وكان ذلك اليوم التاسع عشر من يوم دخوله في مكة، خرج في اثني عشر ألفاً من المسلمين ؛ عشرة آلاف ممن كانوا خرجوا معه لفتح مكة، وألفان من أهل مكة‏.‏ وأكثرهم حديثو عهد بالإسلام واستعار من صفوان بن أمية مائة درع بأداتها، واستعمل على مكة عَتَّاب بن أسيد‏.‏

ولما كان عشية جاء فارس، فقال‏:‏ إني طلعت جبل كذا وكذا، فإذا أنا بهوازن على بكرة آبائهم بِظُعُنِهم ونَعَمِهم وشائهم اجتمعوا إلى حنين، فتبسم رسول اللّه -صلى الله عليه وسلم- وقال‏:‏ ” تلك غنيمة المسلمين غدًا – إن شاء اللّه- “. وتطوع للحراسة تلك الليلة أنس بن أبي مَرْثَد الغَنَوي(2)‏.‏

وفي طريقهم إلى حنين رأوا سِدْرَة عظيمة خضراء يقال لها‏:‏ ذات أنْوَاط، كانت العرب تعلق عليها أسلحتهم، ويذبحون عندها ويعكفون، فقال بعض أهل الجيش لرسول اللّه -صلى الله عليه وسلم-‏:‏ اجعل لنا ذات أنواط، كما لهم ذات أنواط‏.‏ فقال‏:‏ ” اللّه أكبر، قلتم والذي نفس محمد بيده كما قال قوم موسي‏:‏ اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، قال‏:‏ إنكم قوم تجهلون، إنها السَّنَنُ، لتركبن سَنَنَ من كان قبلكم(‏3)‏‏.‏ وقد كان بعضهم قال نظراً إلى كثرة الجيش‏:‏ لن نُغْلَبَ اليوم، وكان قد شق ذلك على رسول اللّه -صلى الله عليه وسلم-.‏

 

الجيش الإسلامي يُباغَتْ بالرماةوالمهاجمين‏‏:

انتهى الجيش الإسلامي إلى حنين، الليلة التي بين الثلاثاء والأربعاء لعشر خلون من شوال، وكان مالك بن عوف قد سبقهم، فأدخل جيشه بالليل في ذلك الوادي، وفرق كُمَنَاءه في الطرق والمداخل والشعاب والأخباء والمضايق، وأصدر إليهم أمره بأن يرشقوا المسلمين أول ما طلعوا، ثم يشدوا شدة رجل واحد‏.‏

وبالسَّحَر عبأ رسول اللّه-صلى الله عليه وسلم- جيشه، وعقد الألوية والرايات، وفرقها على الناس، وفي عَمَاية الصبح استقبل المسلمون وادي حنين، وشرعوا ينحدرون فيه، وهم لا يدرون بوجود كمناء العدو في مضايق هذا الوادي، فبينا هم ينحطون إذا تمطر عليهم النبال، وإذا كتائب العدو قد شدت عليهم شدة رجل واحد، فانشمر المسلمون راجعين، لا يلوي أحد على أحد، وكانت هزيمة منكرة، حتى قال أبو سفيان بن حرب، وهو حديث عهد بالإسلام‏:‏ لا تنتهي هزيمتهم دون البحر – الأحمر- وصرخ جَبَلَةُ أو كَلَدَةُ بن الحَنْبَل‏:‏ ألا بطل السِّحْر اليوم‏.‏

وانحاز رسول اللّه -صلى الله عليه وسلم- جهة اليمين وهو يقول‏:‏ ‏” هَلُمُّوا إليَّ أيها الناس، أنا رسول الله، أنا محمد بن عبد اللّه “. ولم يبق معه في موقفه إلا عدد قليل من المهاجرين والأنصار‏.‏ تسعة على قول ابن إسحاق، واثنا عشر على قول النووي، والصحيح ما رواه أحمد والحاكم في المستدرك من حديث ابن مسعود، قال‏:‏ كنت مع النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم حنين، فولى عنه الناس وثبت معه ثمانون رجلاً من المهاجرين والأنصار، فكنا على أقدامنا ولم نُوَلِّهم الدُّبُر(4). وروى الترمذي من حديث ابن عمر بإسناد حسن قال‏:‏ لقد رأيتنا يوم حنين وإن الناس لمولين، وما مع رسول اللّه -صلى الله عليه وسلم- مائة رجل(5)‏.‏ وحينئذ ظهرت شجاعة النبي -صلى الله عليه وسلم- التي لا نظير لها، فقد طفق يركض بغلته قبل الكفار وهو يقول‏:‏ ” أنــا النبي لا كَذِبْ ** أنا ابن عبد المطلب”. بيد أن أبا سفيان بن الحارث كان آخذا بلجام بغلته، والعباس بركابه، يكفانها ألا تسرع، ثم نزل رسول اللّه -صلى الله عليه وسلم- فاستنصر ربه قائلاً‏: “اللّهم أنزل نصرك”(6).

 

رجوع المسلمين واحتدام المعركة:‏

وأمر رسول اللّه -صلى الله عليه وسلم- عمه العباس-وكان جَهِيَر الصوت-أن ينادي الصحابة، قال العباس‏:‏ فقلت بأعلى صوتي‏:‏ أين أصحاب السَّمُرَة‏؟‏ قال‏:‏ فو الله لكأن عَطْفَتَهُم حين سمعوا صوتي عَطْفَة البقر على أولادها، فقالوا‏:‏ يا لبيك، يا لبيك‏(7).‏ ويذهب الرجل ليثني بعيره فلا يقدر عليه، فيأخذ درعه، فيقذفها في عنقه، ويأخذ سيفه وترسه، ويقتحم عن بعيره، ويخلي سبيله، فيؤم الصوت، حتى إذا اجتمع إليه منهم مائة استقبلوا الناس واقتتلوا‏.‏

وصرفت الدعوة إلى الأنصار‏:‏ يا معشر الأنصار، يا معشر الأنصار، ثم قصرت الدعوة في بني الحارث بن الخزرج، وتلاحقت كتائب المسلمين واحدة تلو الأخرى كما كانوا تركوا الموقعة، وتجالد الفريقان مجالدة شديدة، ونظر رسول اللّه -صلى الله عليه وسلم- إلى ساحة القتال، وقد استحر واحتدم، فقال‏: “الآن حَمِي الوَطِيسُ “. ثم أخذ رسول اللّه -صلى الله عليه وسلم- قبضة من تراب الأرض، فرمى بها في وجوه القوم وقال‏:‏ ” شاهت الوجوه “، فما خلق اللّه إنساناً إلا ملأ عينيه تراباً من تلك القبضة، فلم يزل حَدُّهُم كَلِيلاً وأمرهم مُدْبِرًا‏(8).

 

انكسار حدة العدو وهزيمتهالساحقة:‏

وما هي إلا ساعات قلائل-بعد رمي القبضة-حتى انهزم العدو هزيمة منكرة، وقتل من ثَقِيف وحدهم نحو السبعين، وحاز المسلمون ما كان مع العدو من مال وسلاح وظُعُن‏.

وهذا هو التطور الذي أشار إليه سبحانه وتعالى في قوله‏:‏ {‏‏وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ ثُمَّ أَنَزلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ}. سورة التوبة‏(25، 26‏).‏

  Read the rest of this entry ?

h1

غزوة حمراء الأسد مع الفوائد

2011-04-18

وكانت يوم الأحد لثمانٍ خلون من شوال، على رأس اثنين وثلاثين شهراً، ودخل المدينةَ يوم الجمعة وغاب خمساً. قالوا: لمَّا صلَّى رسولُ الله-صلَّى الله عليه وسلَّم-الصُّبحَ يومَ الأحد، ومعه وجوه الأوس والخزرج، وكانوا باتوا في المسجد على بابه-سعد بن عُبادة، وحُباب بن المنذر، وسعد بن مُعاذ، وأوس بن خولي، وقتادة بن النعمان، وعبيد بن أوس في عدةٍ منهم. فلمَّا انصرف رسولُ الله-صلَّى الله عليه وسلَّم-من الصبح، أمر بلالاً أنْ يُنادي: إنَّ رسولَ الله يأمرُكم بطلب عدوكم، ولا يخرجُ معنا إلا مَن شَهِد القتالَ بالأمسِ.

قال : فخرج سعد بن مُعاذ راجعاً إلى داره يأمر قومَهُ بالمسير. قال: والجراحُ في الناس فاشيةٌ، عامةُ بني عبد الأشهل جريحٌ بل كلُّها، فجاء سعدُ بن مُعاذ، فقال: إنَّ رسولَ الله – صلَّى الله عليه وسلَّم – يأمرُكم أنْ تطلبوا عدوَّكم. قال: يقولُ أسيد بن حضير- وبه سبعُ جراحاتٍ وهو يُريد أنْ يُداويها-: سمعاً وطاعةً لله ولرسوله، فأخذ سلاحَهُ، ولم يُعرِّجْ على دواء جراحه، ولحق برسولِ الله -صلَّى الله عليه وسلَّم-. وجاء سعدُ بن عُبادة قومَهُ بني ساعدة، فأمرهم بالمسيرِ فتلبسوا ولحقوا. وجاء أبو قتادة أهلَ خربى، وهم يداوون الجراحَ، فقال: هذا مُنادي رسولِ الله – صلَّى الله عليه وسلَّم – يأمرُكم بطلبِ عدوِّكم . فوثبوا إلى سلاحِهم، وما عرَّجُوا على جراحاتهم. فخرج من بني سلمة أربعون جريحاً، بالطُّفيل بن النعمان ثلاثةَ عشرَ جُرْحاً، وبخراش بن الصِّمة عشرُ جراحاتٍ، وبكعب بن مالك بضعة عشر جُرْحاً، وبقطبة بن عامر بن حديدة تسع جراحاتٍ حتى وافوا النبيَّ – صلَّى الله عليه وسلَّم-ببئر أبي عنبة إلى رأس الثنية -الطريق الأُولى يومئذٍ-عليهم السلاحُ قد صفُّوا لرسولِ الله – صلَّى الله عليه وسلَّم- . فلمَّا نظرَ رسولُ الله-صلَّى الله عليه وسلَّم– إليهم، والجراحُ فيهم فاشيةٌ، قال: (اللهُمَّ ارحمْ بني سلمة).

قال الواقديُّ : وحدَّثني عُتبة بن جبيرة عن رجالٍ من قومه قالوا: إنَّ عبدَ الله بن سهل، ورافع بن سهل بن عبد الأشهل رجعا من أحد ، وبهما جراحٌ كثيرة، وعبدُ الله أثقلُهما من الجراح ، فلمَّا أصبحُوا، وجاءهم سعدُ بن معاذ يُخبرهم أنَّ رسولَ الله – صلَّى الله عليه وسلَّم – يأمرُهم بطلب عدوِّهم، قال أحدهما لصاحبه: والله إنَّ تركنا غزوةً مع رسول الله لغبنٌ، والله ما عندنا دابةٌ نركبها، وما ندري كيف نصنعُ؟! قال عبد الله: انطلق بنا، قال رافع: لا والله ما بي مشيٌ. قال أخوه: انطلق بنا، نتجارَّ ونقصد، فخرجا يزحفان، فضعف رافعٌ، فكان عبدُ الله يحمله على ظهره عقبة، ويمشي الآخر عقبة، حتى أتوا رسولَ الله – صلَّى الله عليه وسلَّم – عند العشاء وهم يوقدون النيران فأتي بهما إلى رسول الله- صلَّى الله عليه وسلَّم -، وعلى حرسه تلك الليلة عباد بن بشر -، فقال: ما حبسكما ؟ فأخبراه بعلتهما، فدعا لهما بخيرٍ ، وقال: (إنْ طالتْ لكم مدة كانت لكم مراكبُ من خيلٍ وبغالٍ وإبلٍ، وليس ذلك بخير لكم) قال الواقدي: حدثني عبدُ العزيز بن محمد عن يعقوب بن عُمر بن قتادة، قال: هذان أنس ومؤنس وهذه قصتهما.

Read the rest of this entry ?

h1

غزوة خيبر

2011-04-18

وقعت في المحرم سنة 7 هـ‏

كانت خيبر مدينة كبيرة ذات حصون ومزارع على بعد ثمانين ميلا من المدينة في جهة الشمال، وهي الآن قرية في مناخها بعض الوخامة‏.‏

 

سبب الغزوة‏:

ولما اطمأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من أقوي أجنحة الأحزاب الثلاثة، وهو قريش، وأمن منه تماماً بعد صلح الحديبية أراد أن يحاسب الجناحين الباقيين- اليهود وقبائل نجد حتى يتم الأمن والسلام، ويسود الهدوء في المنطقة، ويفرغ المسلمون من الصراع الدامي المتواصل إلى تبليغ رسالة الله والدعوة إليه‏.‏

ولما كانت خيبر هي وكرة الدس والتآمر ومركز الاستفزازات العسكرية، ومعدن التحرشات وإثارة الحروب، كانت هي الجديرة بالتفات المسلمين أولا‏ًً.‏ أما كون خيبر بهذه الصفة، فلا ننسى أن أهل خيبر هم الذين حزبوا الأحزاب ضد المسلمين، وأثاروا بني قريظة على الغدر والخيانة، ثم أخذوا في الاتصالات بالمنافقين- الطابور الخامس في المجتمع الإسلامي – وبغطفان وأعراب البادية – الجناح الثالث من الأحزاب ـ وكانوا هم أنفسهم يتهيأون للقتال، فألقوا المسلمين بإجراءاتهم هذه في محن متوصلة، حتى وضعوا خطة لاغتيال النبي -صلى الله عليه وسلم-، وإزاء ذلك اضطر المسلمون إلى بعوث متواصلة، وإلى الفتك برأس هؤلاء المتآمرين، مثل سلام بن أبي الحُقَيْق، وأسِير بن زارم، ولكن الواجب على المسلمين إزاء هؤلاء اليهود كان أكبر من ذلك، وإنما أبطأوا في القيام بهذا الواجب؛ لأن قوة أكبر وأقوى وألد وأعند منهم – وهي قريش – كانت مجابهة للمسلمين، فلما انتهت هذه المجابهة صفا الجو لمحاسبة هؤلاء المجرمين، واقترب لهم يوم الحساب‏.‏

 

الخروج إلى خيبر:‏

قال ابن إسحاق‏:‏ أقام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالمدينة حين رجع من الحديبية ذا الحجة وبعض المحرم، ثم خرج في بقية المحرم إلى خيبر‏.‏ قال المفسرون‏:‏ إن خيبر كانت وعدا وعدها الله- تعالى- بقوله‏:‏ ‏{وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ‏}‏ ‏‏سورة الفتح‏ (20‏).‏ يعني صلح الحديبية، وبالمغانم الكثيرة خيبر‏.‏

 

عدد الجيش الإسلامي‏‏:

ولما كان المنافقون وضعفاء الإيمان تخلفوا عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في غزوة الحديبية أمر الله تعالى نبيه -صلى الله عليه وسلم- فيهم قائلاً‏:‏ ‏{‏سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا‏}‏ ‏سورة ‏الفتح (15‏)‏‏.‏ فلما أراد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الخروج إلى خيبر أعلن ألا يخرج معه إلا راغب في الجهاد، فلم يخرج إلا أصحاب الشجرة وهم ألف وأربعمائة‏.‏ واستعمل على المدينة سِبَاع بن عُرْفُطَةَ الغفاري، وقال ابن إسحاق‏:‏ نُمَيْلَة بن عبد الله الليثي، والأول أصح عند المحققين(‏1).‏ وبعد خروجه -صلى الله عليه وسلم- قدم أبو هريرة المدينة مسلماً، فوافى سباع بن عرفطة في صلاة الصبح، فلما فرغ من صلاته أتي سباعا فزوده، حتى قدم على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وكلم المسلمين فأشركوه وأصحابه في سهمانهم‏.‏

 

اتصال المنافقين باليهود‏‏:

وقد قام المنافقون يعملون لليهود، فقد أرسل رأس المنافقين عبد الله بن أبي إلى يهود خيبر‏:‏ إن محمداً قصد قصدكم، وتوجه إليكم، فخذوا حذركم، ولا تخافوا منه فإن عددكم وعدتكم كثيرة، وقوم محمد شرذمة قليلون، عزّل، لا سلاح معهم إلا قليل، فلما علم ذلك أهل خيبر، أرسلوا كنانة بن أبي الحقيق وهَوْذَة بن قيس إلى غطفان يستمدونهم؛ لأنهم كانوا حلفاء يهود خيبر، ومظاهرين لهم على المسلمين، وشرطوا لهم نصف ثمار خيبر إن هم غلبوا المسلمين‏.‏ الطريق إلى خيبر‏ وسلك رسول-صلى الله عليه وسلم-في اتجاهه نحو خيبر جـبل عــصر- بالكسر، وقيل‏:‏ بالتحريك – ثم على الصهباء، ثم نزل على واد يقال له‏:‏ الرجيع، وكان بينه وبين غطفان مسيرة يوم وليلة، فتهيأت غطفان وتوجهوا إلى خيبر، لإمداد اليهود، فلما كانوا ببعض الطريق سمعوا من خلفهم حساً ولغطاً، فظنوا أن المسلمين أغاروا على أهاليهم وأموالهم فرجعوا، وخلوا بين رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبين خيبر‏.‏ ثم دعا رسول الله-صلى الله عليه وسلم- الدليلين اللذين كانا يسلكان بالجيش – وكان اسم أحدهما‏:‏ حُسَيْل – ليدلاه على الطريق الأحسن، حتى يدخل خيبر من جهة الشمال – أي جهة الشام – فيحول بين اليهود وبين طريق فرارهم إلى الشام، كما يحول بينهم وبين غطفان‏.‏

قال أحدهما‏:‏ أنا أدلك يا رسول الله-صلى الله عليه وسلم-، فأقبل حتى انتهي إلى مفرق الطرق المتعددة وقال‏:‏ يا رسول الله، هذه طرق يمكن الوصول من كل منها إلى المقصد، فأمر أن يسمها له واحداً واحداً‏.‏ قال‏:‏ اسم واحد منها حزن، فأبي النبي -صلى الله عليه وسلم- من سلوكه، قال‏:‏ اسم الآخر شاش، فامتنع منه أيضاً، وقال‏:‏ اسم الآخر حاطب، فامتنع منه أيضاً، قال حسيل‏:‏ فما بقي إلا واحد‏.‏ قال عمر‏:‏ ما اسمه‏؟‏ قال‏:‏ مَرْحَب، فاختار النبي -صلى الله عليه وسلم- سلوكه‏.‏

 

بعض ما وقع في الطريق:‏

عن سلمة بن الأكوع قال‏:‏ خرجنا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى خيبر فسرنا ليلاً، فقال رجل من القوم لعامر‏:‏ يا عامر، ألا تسمعنا من هنيهاتك‏؟‏ – وكان عامر رجلاً شاعراً -فنزل يحدو بالقوم، يقول‏:‏

 

اللهم لولا أنت ما اهتديـنا

 

 ولا تَصدَّقْنا ولا صَلَّيـنـا

فاغـفر فِدَاءً لك ما اقْتَفَيْنا

 

وَثبِّت الأقــدام إن لاقينـا

وألْـقِيـنْ سكـينـة علينا

 

إنا إذا صِــيحَ بنا أبينــا

 

وبالصياح عَوَّلُوا عــلينا

 

فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ” من هذا السائق “. قــالوا‏:‏ عــامر بــن الأكوع، قال‏:‏” يرحمه الله”. قال رجل من القوم‏:‏ وجبت يا نبي الله، لولا أمتعتنا به.‏ البخاري، الفتح، كتاب المغازي، باب غزوة خيبر. رقم (4196).

وكانوا يعرفون أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا يستغفر لإنسان يخصه إلا استشهد(2)، وقد وقع ذلك في حرب خيبر‏.‏

وبالصهباء من أدنى خيبر صلَّى النبي -صلى الله عليه وسلم- العصر، ثم دعا بالأزواد، فلم يؤت إلا بالسَّوِيق، فأمر به فثري، فأكل وأكل الناس، ثم قام إلى المغرب، فمضمض، ومضمض الناس، ثم صلَّى ولم يتوضأ. البخاري، الفتح، كتاب الوضوء، باب من مضمض من السويق ولم يتوضأ. رقم (209)،ثم صلَّى العشاء (3)‏.‏

ولما دنا من خيبر وأشرف عليها قال‏:‏ ” قفوا “. فوقــف الجيش، فــقال‏:‏” اللهم رب السموات السبع وما أظللن، ورب الأرضين السبع وما أقللن، ورب الشياطين وما أضللن، ورب الرياح وما أذرين، فإنا نسألك خير هذه القرية، وخير أهلها، وخير ما فيها، ونعوذ بك من شر هذه القرية، وشر أهلها، وشر ما فيها، أقدموا، بسم الله “(‏4)‏‏. ‏المعجم الكبير للطبراني،(22/359).

 

الجيش الإسلامي إلى أسوار خيبر:‏‏

وبات المسلمون الليلة الأخيرة التي بدأ في صباحها القتال قريبًا من خيبر، ولا تشعر بهم اليهود، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا أتى قومًا بليل لم يقربهم حتى يصبح، فلما أصبح صلي الفجر بغَلَس، وركب المسلمون، فخرج أهل خيبر بمساحيهم ومكاتلهم، ولا يشعرون، بل خرجوا لأرضهم، فلما رأوا الجيش قالوا‏:‏ محمد، والله محمد والخَمِيس، ثم رجعوا هاربين إلى مدينتهم، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-‏:‏ ” الله أكبر، خربت خيبر، الله أكبر، خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين “. البخاري، الفتح، كتاب الجهاد والسير، باب التكبير عند الحرب. رقم (2991).

 

حصون خيبر‏‏:

وكانت خيبر منقسمة إلى شطرين، شطر فيها خمسة حصون‏:‏

1 – حصن ناعم‏.‏                         2 – حصن الصَّعْب بن معاذ‏.‏

3 – حصن قلعة الزبير‏.                   ‏ 4 – حصن أبي‏.‏

5 – حصن النِّزَار‏.‏

والحصون الثلاثة الأولى منها كانت تقع في منطقة يقال لها‏:‏ ‏(‏النطاة‏).‏ وأما الحصنان الآخران فيقعان في منطقة تسمي بالشَّقِّ‏.‏

أما الشطر الثاني، ويعرف بالكتيبة، ففيه ثلاثة حصون فقط‏:‏

1 – حصن القَمُوص ‏‏وكان حصن بني أبي الحقيق من بني النضير‏‏‏.‏

2 – حصن الوَطِيح‏.

 3- حصن السُّلالم‏.‏

وفي خيبر حصون وقلاع غير هذه الثمانية، إلا أنها كانت صغيرة، لا تبلغ إلى درجة هذه القلاع في مناعتها وقوتها‏.‏

والقتال المرير إنما دار في الشطر الأول منها، أما الشطر الثاني فحصونها الثلاثة مع كثرة المحاربين فيها سلمت دونما قتال‏.‏

 

معسكر الجيش الإسلامي:‏‏

وتقدم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى اختار لمعسكره منزلاً، فأتاه حُبَاب بن المنذر، فقال‏:‏ يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل أنزلكه الله، أم هو الرأي في الحرب‏؟‏ قال‏:‏” بل هو الرأي “. فقال‏:‏ يا رسول الله، إن هذا المنزل قريب جدًا من حصن نَطَاة، وجميع مقاتلي خيبر فيها، وهم يدرون أحوالنا، ونحن لا ندري أحوالهم، وسهامهم تصل إلينا، وسهامنا لا تصل إليهم، ولا نأمن من بياتهم، وأيضًا هذا بين النخلات، ومكان غائر، وأرض وخيمة، لو أمرت بمكان خال عن هذه المفاسد نتخذه معسكرًا، قال -صلى الله عليه وسلم-‏:‏ ” الرأي ما أشرت “، ثم تحول إلى مكان آخر‏.  ‏تاريخ الطبري(2/29).

 

التهيؤ للقتال وبشارة الفتح:‏‏

ولما كانت ليلة الدخول-وقيل‏:‏ بل بعد عدة محاولات ومحاربات- قال النبي -صلى الله عليه وسلم-‏:‏ ” ‏لأعطين الراية غدًا رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، يفتح الله على يديه ‏”. فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، كلهم يرجو أن يعطاها، فقال‏:‏ ” أين علي بن أبي طالب‏؟”. فقالوا‏:‏ يا رسول الله، هو يشتكي عينيه(5)، قال‏:‏ ” فأرسلوا إليه “، فأتي به فبصق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في عينيه، ودعا له، فبرئ، كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية، فقال‏:‏ يا رسول الله، أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا، قال‏:‏ ” انفذ على رسلك، حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فو الله، لأن يهدي الله بك رجلاً واحدًا خير لك من أن يكون لك حمر النعم “(6‏)‏‏.   ‏البخاري، الفتح، كتاب المغازي، باب  غزوة خيبر رقم (4210).

 

بدء المعركة وفتح حصن ناعم:‏‏

أما اليهود فإنهم لما رأوا الجيش وفروا إلى مدينتهم تحصنوا في حصونهم، وكان من الطبيعي أن يستعدوا للقتال‏.‏

وأول حصن هاجمه المسلمون من حصونهم الثمانية هو حصن ناعم‏.‏

وكان خط الدفاع الأول لليهود لمكانه الاستراتيجي، وكان هذا الحصن هو حصن مرحب البطل اليهودي الذي كان يعد بالألف‏.‏

خرج علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- بالمسلمين إلى هذا الحصن، ودعا اليهود إلى الإسلام، فرفضوا هذه الدعوة، وبرزوا إلى المسلمين ومعهم ملكهم مرحب، فلما خرج إلى ميدان القتال دعا إلى المبارزة، قال سلمة بن الأكوع‏:‏ فلما أتينا خيبر خرج ملكهم مرحب يخطر بسيفه يقول‏:‏

 

قد عَلِمتْ خيبر أني مَرْحَب

 

شَاكِي السلاح بطل مُجَرَّب

 

إذا الحروب أقبلتْ تَلَهَّب

 

فبرز له عمي عامر فقال‏:‏

قد علمت خيبر أني عامر

 

شاكي السلاح بطل مُغَامِر

فاختلفا ضربتين، فوقع سيف مرحب في ترس عمي عامر، وذهب عامر يسفل له، وكان سيفه قصيرًا، فتناول به ساق اليهودي ليضربه، فيرجع ذُبَاب سيفه فأصاب عين ركبته فمات منه، وقال فيه النبي -صلى الله عليه وسلم‏-:‏ ” إن له لأجرين – وجمع بين إصبعيه- إنه لجَاهِدٌ مُجَاهِد، قَلَّ عربي مَشَي بها مِثْلَه “.‏  البخاري، الفتح، كتاب المغازي، باب غزوة خيبر. رقم (4196)‏. ‏ويبدو أن مرحبًا دعا بعد ذلك إلى البراز مرة أخري وجعل يرتجز بقوله‏:‏ قد علمت خيبر أني مرحب‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ، فبرز له على بن أبي طالب‏.‏ قال سلمة ابن الأكوع‏:‏ فقال علي‏:‏

 

أنا الذي سمتني أمي حَيْدَرَهْ

 

كلَيْثِ غابات كَرِيه المَنْظَرَهْ

 

أُوفِيهم بالصَّاع كَيْل السَّنْدَرَهْ

فضرب رأس مرحب فقتله، ثم كان الفتح على يديه(7)‏.‏

ولما دنا علي –رضي الله عنه- من حصونهم اطلع يهودي من رأس الحصن، وقال‏:‏ من أنت‏؟‏ فقال‏:‏ أنا علي بن أبي طالب، فقال اليهودي‏:‏ علوتم وما أنزل على موسى‏.‏ ثم خرج ياسر أخو مرحب، وهو يقول‏:‏ من يبارز‏؟‏ فبرز إليه الزبير، فقالت صفية أمه‏:‏ يا رسول الله، يقتل ابني، قال‏:‏” بل ابنك يقتله “،  سنن البيهقي(9/131) وتاريخ الطبري(2/136). فقتله الزبير‏.‏ ودار القتال المرير حول حصن ناعم، قتل فيه عدة سراة من اليهود، انهارت لأجله مقاومة اليهود، وعجزوا عن صد هجوم المسلمين، ويؤخذ من المصادر أن هذا القتال دام أيامًا لاقى المسلمون فيها مقاومة شديدة، إلا أن اليهود يئسوا من مقاومة المسلمين، فتسللوا من هذا الحصن إلى حصن الصَّعْب، واقتحم المسلمون حصن ناعم‏.‏



1 – انظر فتح الباري 7/ 465، زاد المعاد 2/ 133.

2 – البخاري،الفتح، كتاب الجهاد والسير، باب غزوة ذي قرد. رقم (1807)

3 – مغازي الواقدي (غزوة خيبر ص 112).

4 – ابن هشام 2/ 329.

5 – وكان لأجل هذه الشكوى تخلف في أول المسير، ثم لحق بالجيش.

6 –  يؤخذ من بعض الروايات أن إعطاء الراية لعلي كان بعد فشل عدة محاولات لفتح حصن من حصونهم. والرجح عند المحققين هو ما ذكرنا.

7 – بين المصادر اختلاف كبير في الرجل الذي قتل مرحبا، وفي اليوم الذي قتل فيه، وفتح هذا الحصن. وبعض هذا الاختلاف موجود في سياق روايات الصحييحن أيضاً، وهذا الترتيب أخذناه  بعد ترجيح سياق رواية البخاري.

h1

غزوة بني قَيْنُقَاع

2011-04-18

نصيحة الرسول لهم وردهم عليه:

 قال ابن إسحاق: وقد كان فيما بين ذلك من غزو رسول الله –  صلَّى الله عليه وسلَّم – أمر بني قينقاع، وكان من حديث بني قينقاع أنَّ رسولَ الله – صلَّى الله عليه وسلَّم – جمعهم بسوق “بني قينقاع”، ثم قال: يا معشرَ يهود، احذروا من الله مثلَ ما نزل بقريشٍ من النقمة وأسلموا، فإنَّكم قد عرفتم أني نبيٌّ مرسل، تجدون ذلك في كتابكم وعهد الله إليكم ، قالوا : يا محمدُ، إنَّك ترى أنّا قومك؟! لا يغرنك أنَّك لقيت قوماً لا علم لهم بالحرب، فأصبت منهم فُرصةً، إنَّا- والله- لئن حاربناك لتعلمن أنا نحنُ الناس(1).

 

ما نزل فيهم:

قال ابنُ إسحاق : فحدَّثني مولى لآل زيد بن ثابت، عن سعيد بن جُبير، أو عن عِكْرِمة عن ابنِ عبَّاس، قال: ما نزل هؤلاء الآيات إلا فيهم : {قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ} (12) سورة آل عمران{قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا}أي أصحاب بدر من أصحاب رسول الله – صلَّى الله عليه وسلَّم – وقريش {فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاء إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لَّأُوْلِي الأَبْصَارِ} (13) سورة آل عمران.  

 

 كانوا أول من نقض العهد:

قال ابنُ إسحاق : وحدَّثني عاصم بن عمر بن قتادة : أنَّ “بني قينقاع” كانوا أول يهود نقضوا ما بينهم وبين رسولِ الله- صلَّى الله عليه وسلَّم – وحاربوا فيما بين بدر وأحد.

 

 سبب الحرب بينهم وبين المسلمين:

قال ابنُ هشامٍ : وذكر عبد الله بن جعفر بن المسور بن مخرمة، عن أبي عون قال: كان من أمر “بني قينقاع” أنَّ امرأةً من العرب قدمت بجَلَبٍ لها، فباعته بسوق “بني قينقاع”، وجلست إلى صائغٍ بها، فجعلوا يُريدونها على كشف وجهها، فأبتْ، فعمد الصائغُ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها، فلمَّا قامتْ انكشفت سوأتُها، فضحكوا بها، فصاحتْ. فوثب رجلٌ من المسلمين على الصائغ فقتله، وكان يهودياً، وشدت اليهودُ على المسلم فقتلوه، فاستصرخ أهلُ المسلم المسلمين على اليهود، فغضب المسلمون، فوقع الشرُّ بينهم وبين” بني قينقاع”.

 

 ما كان من ابن أُبي ابن سلول مع الرَّسول:

قال ابنُ إسحاق : وحدَّثني عاصم بن عمر بن قتادة، قال: فحاصرهم رسولُ الله – صلَّى الله عليه وسلَّم – حتَّى نزلوا على حُكْمه، فقام إليه عبدُ الله بن أُبي ابن سلول حين أمكنه الله منهم، فقال:  يا محمدُ، أحسنْ في مواليَّ، وكانوا حلفاء الخزرج، قال: فأبطأ عليه رسولُ الله- صلَّى الله عليه وسلَّم -، فقال: يا محمدُ أحسنْ في مواليَّ قال: فأعرض عنه . فأدخل يده في جيب درع رسولِ الله – صلَّى الله عليه وسلَّم – (قال ابنُ هشامٍ : وكان يُقال لها: ذاتُ الفضولِ).

قال ابنُ إسحاق : فقال له رسولُ الله  – صلَّى الله عليه وسلَّم -: (أرسلني)، وغضب رسولُ الله – صلَّى الله عليه وسلَّم – حتى رأوا لوجهه ظللاً، ثم قال: (ويحك أرسلني)، قال: لا -والله -لا أُرسلك حتى تحُسنَ في مواليَّ، أربع مئة حاسر وثلاث مئة دارع قد منعوني من الأحمر والأسود، تحصدهم في غداةٍ واحدةٍ، إني –والله- امرؤٌ أخشى الدوائرَ، قال: فقال رسول الله  – صلَّى الله عليه وسلَّم -: (هم لك).

 

مدة حصارهم:

قال ابنُ هشامٍ : واستعمل رسولُ الله- صلَّى الله عليه وسلَّم – على المدينة في محاصرته إيَّاهم بشيرَ بن عبد المنذر، وكانت محاصرتُه إيَّاهم خمس عشرة ليلة.  راجع سيرة ابن هشام (3/113-115).

 

التسليم والجلاء:

وبعد الحصار نزلوا على حكم رسول الله-صلى الله عليه وسلم-في رقابهم وأموالهم ونسائهم وذريتهم، فأمر بهم فكتفوا. وكان من ابن أبي ما كان، ثم أمرهم النبي أن يخرجوا من المدينة ولا يجاوره بها فخرجوا إلى أذرعات الشام، فقل أن لبثوا فيها حتى هلك أكثرهم، وقبض رسول الله أموالهم فأخذ منها ثلاث قسي ودرعين وثلاثة أسياف وثلاثة رماح وخمس غنائمهم، وكان الذي تولى جمع الغنائم محمد بن مسلمة. راجع ” الرحيق المختوم” ص 217.

 

تبرؤ ابنِ الصَّامت من حِلفهم، وما نزل فيه، وفي ابن أُبي:

قال ابنُ إسحاق : وحدَّثني أبي إسحاق بن يسار، عن عُبادة بن الوليد بن عُبادة بن الصَّامت، قال: لمَّا حاربت “بنو قينقاع” رسولَ الله- صلَّى الله عليه وسلَّم – تشبث بأمرهم عبدُ الله بن أُبي ابن سلول ،وقام دونهم. قال: ومشى عُبادة بن الصَّامت إلى رسولِ الله – صلَّى الله عليه وسلَّم -، وكان أحدَ بني عوف، لهم من حلفه مثلُ الذي لهم من عبد الله بن أُبي، فخلعهم إلى رسولِ الله- صلَّى الله عليه وسلَّم – وتبرَّأ إلى الله – عَزَّ وجَلَّ – وإلى رسوله- صلَّى الله عليه وسلَّم – من حِلْفهم ، وقال: يا رسولَ الله ، أتولَّى الله ورسولَهُ- صلَّى الله عليه وسلَّم– والمؤمنين، وأبرأُ من حِلْف هؤلاءِ الكُفَّار وولايتهم.

قال : ففيه، وفي عبد الله بن أُبي نزلتْ هذه القصةُ من المائدة:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِين َفَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} (51) سورة المائدة. أي لعبد الله بن أُبي، وقوله: إنِّي أخشى الدوائرَ  {يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ فَعَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَا أَسَرُّواْ فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ {وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُواْ أَهَؤُلاء الَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ}  (52)(53) سورة المائدة.ثم القصة إلى قوله تعالى:{إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} (55) سورة المائدة. وذكر لتولي عبادة بن الصامت الله ورسوله والذين آمنوا، وتبرئه من” بني قينقاع” وحِلْفهم وولايتهم {وَمَن يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ} (56) سورة المائدة.(2)

 

للمزيد راجع:

“السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية” لمهدي رزق الله أحمد (369-371) و”سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد” للصالحي (4/179-181)، و”زاد المعاد” لابن قيم الجوزية (3/190)، و”الرحيق المختوم” للمباركفوري (262-267)، و”ابن هشام” (3/9-11)، و”عيون الأثر في سيرة خير البشر” لابن سيد الناس (1/443-446).

 

الفوائد من غزوة بني قينقاع

1.      تسجيل خيانة اليهود وغدرهم وانعدام وفائهم بأي التزام يدعونه.

2.      تقرير أن الحجاب هو ستر وجه المرأة عن الرجال الأجانب.

3.      بيان فضل المؤمن الذي غضب لله فقتل اليهودي الساخر من المؤمنة فقتل شهيداً -رضي الله عنه-.

4.   تسجيل الكرم المحمدي في أعظم صورة وأعلى مثال، وذلك بين ظاهر في قبوله شفاعة ابن أبي وعفوه عن الخائنين الغُدَّر عليهم لعائن الله.

5.   فضيلة عبادة بن الصامت الذي تبرأ من اليهود وأعلن ولاءه لله ورسوله وللمؤمنين.   راجع “هذا الحبيب محمد -صلى الله عليه وسلم- يا محب” ص (247 – 248).

6.   هذه الواقعة تدل في جملتها، على مدى ما رُكِّب في اليهود من طبيعة الغدر والخيانة، فلا تروق لهم الحياة مع من يجارونهم أو يخالطونهم إلا بأن يبيتوا لهم شراً، أو يحيكوا لهم غدراً، وهم على أتمَّ الاستعداد لأن يخلقوا جميع الوسائل والأسباب لذلك.

7.   هذه الحادثة تدل على حقد دفين في صدور اليهود على المسلمين، والذي ألهب مشاعرهم وأثار الحقد الدفين في نفوسهم إنما هو ما وجدوه من انتصار المسلمين في بدر، وهو أمر لم يكونوا يتوقعونه بحال، فضاقت صدورهم بما احتوته من الغيظ والأحقاد، ولم يجدوا إلا أن ينفسوا عنها بمثل هذا الذي أقدموا عليه.

8.   معاملة المنافق في الإسلام: إن الرسول -صلى الله عليه وسلم- عامل ابن أبي على رغم ما عمله على أنه مسلم، فلم يخفر ذمته، ولم يعامله معاملة المشرك، أو المرتد أو الكاذب في إسلامه، وأجابه إلى ما أصر وألح في طلبه، وذلك يدل – كما أجمع العلماء- على أن المنافق إنما يعامل في الدنيا من قبل المسلمين على أنه مسلم، وإن كان نفاقه مقطوعاً به، وسبب ذلك أن الأحكام الإسلامية في مجموعها تتكون من جانبين: جانب يطبق في الدنيا ويكلف المسلمون بتطبيقه على مجتمعاتهم، وفيما بينهم، ويشرف على ذلك الخليفة أو رئيس الدولة، وجانب آخر يطبق في الآخرة، ويكون أمره عائداً إلى الله – تعالى-.

9.   لا يجوز لأي مسلم أن يتخذ من غير المسلمين ولياً له، أي صاحباً تشيع بينهما مسؤولية الولاية والتعان، وهذا من الأحكام الإسلامية التي لم يقع الخلاف فيها بين المسلمين.  راجع “فقه السيرة النبوية” للبوطي (168-171).

10. إن طوائف اليهود التي عاشت بين العرب كانت عصابات من المرتزقة اتخذت الدين عنواناً لمطامع اقتصادية بعيدة المدى، فلما توهمت أن هذه المطامع مهددة بالزوال ظهر الكفر المخبوء، فإذا هو كفر بالله وسائر المرسلين، ولم يعرف أولئك شرفاً في حرب الإسلام، ولم يقفهم حد أو عهد في الكيد له، فلم يكن بد من إجلائهم وتنظيف الأرض منهم.  راجع “فقه السيرة” للغزالي (ص243)

h1

غزوة دومة الجندل

2011-04-18

في شهر ربيع الأول سنة خمس

 عاد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من بدر، وقد ساد المنطقة الأمن والسلام، واطمأنت دولته، فتفرغ للتوجه إلى أقصي حدود العرب حتى تصير السيطرة للمسلمين على الموقف، ويعترف بذلك الموالون والمعادون‏.‏

مكث بعد بدر الصغري في المدينة ستة أشهر، ثم جاءت إليه الأخبار بأن القبائل حول دومة الجندل -قريباً من الشام- تقطع الطريق هناك، وتنهب ما يمر بها وأنها قد حشدت جمعاً كبيراً تريد أن تهاجم المدينة، فاستعمل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على المدينة سِبَاع ابن عُرْفُطَة الغفاري، وخرج في ألف من المسلمين لخمس ليال بقين من ربيع الأول سنة 5هـ، وأخذ رجلاً من بني عُذْرَة دليلاً للطريق يقال له‏: مذكور‏.

خرج يسير الليل ويكمن النهار حتى يفاجئ أعداءهم وهم غارون، فلما دنا منهم إذا هم مغربون، فهجم على ما شيتهم ورعائهم، فأصاب من أصاب، وهرب من هرب‏.

وأما أهل دومة الجندل ففروا في كل وجه، فلما نزل المسلمون بساحتهم لم يجدوا أحداً، وأقام رسول الله-صلى الله عليه وسلم- أياماً، وبث السرايا وفرق الجيوش، فلم يصب منهم أحداً، ثم رجع إلى المدينة، ووادع في تلك الغزوة عيينة بن حصن‏.‏

ودُومة بالضم‏:‏ موضع معروف بمشارف الشام بينها وبين دمشق خمس ليال، وبُعْدُها من المدينة خمس عشرة ليلة(1).

للمزيد راجع:

“زاد المعاد” لابن قيم الجوزية (3/255-256)، و”الرحيق المختوم” للمباركفوري (336-337)، و”ابن هشام” (3/165)، و”عيون الأثر في سيرة خير البشر” لابن سيد الناس (2/83)، و”السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية” لمهدي رزق الله أحمد (429-430), و”سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد” للصالحي (4/342-343).

 

الفوائد من غزوة دومة الجندل

1.      بيان ما كان من الفوضى في تلك الديار قبل الإسلام بدليل وجود عصابات تتلصص فتؤذي المارة وتسلب أموالهم.

2.   بيان ما أوتي النبي -صلى الله عليه وسلم- من كمال السياسة وحسنها، إذ خروجه إلى دومة الجندل حقق عدة أهداف شريفة منها: إرعاب الروم، ورفع الظلم، والدعوة إلى الإسلام.

3.   بيان مصداق قوله -صلى الله عليه وسلم-: (ونصرت بالعب مسيرة شهر)(2)، إذ بمجرد أن علم الظلمة بخروج النبي -صلى الله عليه وسلم- إليهم حتى تفرقوا منهزمين والمسافة مسافة شهر.

4.   مشروعية أخذ الغنائم في الإسلام وحلِّيتها لهذه الأمة المجاهدة، المقيمة للعدل، الناشرة للهدى والخير بين من تظلهم تحت راية الإسلام. راجع “هذا الحبيب محمد -صلى الله عليه وسلم- يا محب” (ص298-299).

5.   إن وصول جيوش المسلمين إلى دُومة الجندل، وهي على مسافة بعيد من المدينة فهي تقع بين الحدود التي بين الحجاز والشام، وموادعة عيينة بن حصن للمسلمين، واستئذانه في أن يرعى بإبله وغنمه في أرض بينها وبين المدينة ستة وثلاثون ميلاً – أي ما يقرب من خمسة وستين كيلوا متراً- لدليل قاطع على مدى ما وصلت إليه قوة المسلمين، وعلى شعورهم بالمسؤولية الكاملة تجاه تأمين الحياة للناس في هذه المنطقة، وأن هذه المناطق النائية كانت ضمن حدود الدولة الإسلامية، وأن الدولة أصبحت منيعة، ليس في مقدور أحد أن يعتدي عليها، ولو كان ذلك في استطاعة أحد، لكان عيينة بن حصن الذي كان يغضب لغضبه عشرة آلاف فتى. انظر “تأملات في سيرة الرسول -صلى الله عليه وسلم-” (ص170).


h1

غزوة ذي أمر

2011-04-18

وهي أكبر حملة عسكرية قادها رَسُولُ اللهِ-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ-،قادها في المحرم سنة 3هـ.

وسببها أن استخبارات المدينة نقلتْ إلى رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- أنَّ جمعاً كبيراً من بني ثعلبة ومحارب تجمَّعُوا،يُريدون الإغارةَ على أطرافِ المدينةِ،فَنَدَبَ رَسُولُ اللهِ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ-المسلمين،وخَرَجَ في أربعمائة وخمسين مقاتلاً,ما بين راكبٍ وراجلٍ، واستخلفَ على المدينةِ عُثمانَ بنَ عَفَّانَ.

وفي أثناءِ الطَّريقِ قبضُوا على رجلٍ يُقَالُ له (جبار) من بني ثعلبة،فأُدخل على رَسُولِ اللهِ-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ-،فدعاه إلى الإسلام فأسلم،فضمَّه إلى بلال،وصار دليلاً لجيش المسلمين إلى أرضِ العدوِّ.

وتفرَّق الأعداءُ في رؤوس الجبالِ حين سمعُوا بقدوم جيش المدينة. أمَّا النَّبيُّ-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ-فقد وَصَلَ بجيشِهِ إلى مكانِ تجمعهم،وهو الماء المسمَّى”بذي أمر“,فأقام هناك صَفَراً كُلَّهُ-من سنة 3هـ-,أو قريباً مِنْ ذَلِكَ؛ليشعرَ الأعرابُ بقوةِ المسلمينَ،ويستولي عليهم الرُّعْبُ والرَّهبةُ،ثُمَّ رَجَعَ إلى المدينةِ.راجع” الرحيق المختوم” ص218-219.

قال ابن إسحق: فلمَّا رجع رَسُولُ اللهِ-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ-من”غزوةِ السَّويقِ“،أقام بالمدينةِ بقية ذي الحجة,أو قريباً منها،ثُمَّ غَزَا نجداً، يُريدُ غطفان،وهي”غزوة ذي أمر“, واستعملَ على المدينةِ عُثْمَانَ بنَ عَفَّانَ-فِيْمَا قَالَ ابنُ هشامٍ- .

قَالَ ابنُ إسحاقَ: فأقام بنجدٍ صَفَراً كُلَّه,أو قريباً من ذلك،ثُمَّ رَجَعَ إلى المدينةِ،ولم يلقَ كَيْدَاً.فلبثَ بها شهرَ ربيع الأول كُلَّه,أو إلا قليلاً منه .(1)

 

الفَوَائِدُ المستفَادةُ مِنْ (غَزْوَةِ ذِيْ أمر)

1-        مشروعية محاربة من يحارب,ومسالمة من يُسالم.

2-        مشروعية الخروج إلى العدو وتتبعه؛إرهاباً له.

3-        تجلِّي الرحمة المحمدية في العفو عمن أرادَ قتلَهُ بعد التمكنِ منه.

4-        بيانُ حُسْنِ عاقبةِ العفو بعدَ القُدرةِ على المؤاخذةِ.

(هذا الحبيب ص 252).

تابع

Get every new post delivered to your Inbox.